القبس - الجمعة 24/12/1999 - العدد 9526
وثيقة من القرن 18 تتحدث عن 14 جامعاً ومسجدين
برزت في الآونة الأخيرة أصوات ومحاولات تنادي بإعادة كتابة جوانب مجهولة من التاريخ الاجتماعي للكويت، ويأتي تاريخ مساجد الكويت القديمة في طليعة هذا المسار، بغرض الاهتمام والكشف عن بعض الملامح الغائبة أو المغيّبة في تاريخنا الاجتماعي ومناشطنا الدينية منذ تأسيس الكويت.
لقد ترك المؤرخون الكويتيون وغيرهم تراثاً تاريخياً زاخراً، لكن هناك جوانب كثيرة غامضة من هذه التركة التراثية، لا يعرف عنها إلا القليل منا، فمن خلال قراءة متأنية للتاريخ، وبالذات لما نُشر في بعض الكتب والوثائق والدراسات التي تناولت تاريخ الكويت وتراجم وسير حياة بعض أعلامها ووجهائها وشخصياتها، يستطيع الباحث الدؤوب أن يكتشف ما كان غامضاً منها.
وإذا كانت الوثائق تمثل للباحث أهمية كبرى لا غنى عنها، فإننا اليوم أحوج ما نكون إلى مراكز بحوث ودراسات تاريخية تُعنى بالشؤون التوثيقية وتشكل مرجعية لها مصداقية لا يرقى إليها الشك، بصرف النظر عن تبعيتها سواء كانت مراكز أهلية أم رسمية.
الكويت عاصمة الثقافة العربية عام 2001م
بمناسبة اختيار الكويت عاصمة الثقافة العربية لعام 2001م، ينبغي علينا أن نبيّن أدوار روادنا الأوائل الذين أسهموا وصنعوا وأسسوا حركة التنوير في الكويت من خلال عطاءاتهم المتميزة في شتى المجالات التي كانت متاحة لهم وكل بقدر استطاعته وإمكاناته آنذاك.
إن الجديد في هذا الموضوع هو: العثور على مخطوط نشره د. عماد عبد السلام رؤوف، وجده منسياً في إحدى خزائن جامع الشيخ عبد القادر الكيلاني ببغداد، كُتب بخط يد عبد الرحمن بن عبد الله السويدي البغدادي المتوفى سنة 1200هـ/1785م، ضمن رسالته التي تحدّث فيها عن الحوادث التي شهدتها المنطقة في أواخر حياته خلال عامي 1776-1778م، حيث انتشر في بغداد عام 1772م وباء الطاعون المروّع، كانت نتيجته إلقاء الجثث في الطرقات حيث عمت الفوضى وهاجر الناس ومن بينهم السويدي، من مدينة الموت قاصداً البصرة، وعندما زحف الطاعون على مدينة البصرة هرب وعائلته مرة أخرى إلى الزبير، ولما داهمها وباء الطاعون هرب إلى الكويت، وقد حصد هذا الوباء عشرات الآلاف من الأهالي.
الطاعون في الكويت
هذا المخطوط المنسي يلقي بعض الضوء على الحياة الدينية والاجتماعية والثقافية بالكويت في أواخر عهد الشيخ عبد الله بن صباح حاكم الكويت الثاني (1762-1812م)، وسنستعرض من هذا المخطوط ما يخص بحثنا هذا وهو خاص بتاريخ المساجد القديمة في الكويت:
عندما غادر عبد الرحمن السويدي إمارة الزبير مع أبنائه وجماعته إثر زحف وباء الطاعون عليها متوجهاً إلى الكويت كتب عنها ما يلي:
"الكويت بلد يقع على ساحل البحر، وقد استغرقت رحلتنا إليه ستة أيام برّاً، حينما دخلناه أكرمنا أهله إكراماً عظيماً، وهم أهل صلاح وعفة وديانة، وفيها أربعة عشر جامعاً ومسجدان، في أوقات الصلوات الخمس تمتلئ بالمصلين، أقمت فيها شهراً لم أُسأل فيه عن بيع أو شراء أو نحوهما، بل أُسأل فيه عن صيام وعن صلاة أو عن صدقة، وكذلك نساؤها ذوات ديانة في الغالب، وقرأت فيها الحديث في ستة جوامع، نقرأ في الجامع يومين أو ثلاثة فيضيق الجامع من كثرة المستمعين فيلتمسون مني الانتقال إلى جامع أكبر منه وهكذا حتى استقر الدرس في جامع ابن بحر، وهو جامع كبير ويقع على البحر كجامع القمرية في بغداد."
"ولما تواترت الأخبار بانقطاع وباء الطاعون عن البصرة أردت الرجوع إليها، فقدّم لي أهل الكويت سفينة كبيرة أنزلوني فيها أنا وعيالي، وركب معنا في المركب عدد من أكابر أهل الكويت بقصد مرافقتي، وعندما وصلنا إلى البصرة نزلنا أنا وجميع الركاب من أهل البصرة، ولم يتقاضَ صاحب المركب منا جميعاً (نولاً) وصاحب المركب كان يخدمنا بنفسه."
المعلومة التي أضافتها المخطوطة إلى تاريخ الكويت
الصورة التي أظهرتها تلك المخطوطة عن تاريخ الكويت قد أضافت بعض الملامح عن سكانها ووضعها الاجتماعي، فوجود 14 جامعاً ومسجدين قد يسمح بالتأكيد على أن تكون تلك المساجد موزعة حسب مناطق سكنى الأسر الكبيرة التي تشكّل القاعدة السكانية أو المؤسسية، هي 14 أسرة كبيرة لكل أسرة جامعها، وأن عدد السكان في تلك الفترة لا يقل عن عشرة آلاف نسمة وهو رقم ليس بالقليل بحساب تلك الأيام.
ويتفق هذا الرقم مع ما ذكره الرحالة الدنماركي نيبور، الذي زار الكويت عام 1775م (أي بعد ثلاث سنوات من زيارة السويدي)، وقدّر عدد السكان بعشرة آلاف نسمة وأسطول سفنها بثمانمائة سفينة.
إن ما ذكره السويدي عن الكويت قديماً، التي كان يحيط بها السور الأول الذي بُني في أواخر حكم الشيخ عبد الله بن صباح الأول، ويبدأ السور من البحر غرباً بالقرب من بيت آل البدر مارّاً بمسجد سعيد - وهنا تقع دروازة الفداغ - ثم يسير شرقاً إلى براحة السبعان حيث تقع دروازة عنزة، ثم يتجه إلى الصنقر وتقع دروازتها بالقرب من مسجد بن فارس، ثم دروازة العبد الرزاق وآخره في فريج المطبة.
إن وجود هذا الكم الكبير نسبياً من بيوت الله في رقعة صغيرة من الأرض، يؤكد على أن بناء هذه المساجد قرب مساكن مؤسسيها وضيوفهم ومن يتبعهم، فإن ذلك ما هو إلا دليل على إطلاق اسم من أنشأ المسجد، فقد كان آنذاك لكل أسرة مسجد بنته بالقرب من مسكنها، تقرّباً إلى الله سبحانه وتعالى ولأداء الصلوات في مواقيتها وللتواجد فيه لحضور دروس الدين التي كانت تقام فيه بالمناسبات، وأيضاً كمركز يجتمع فيه أهل الدين والعلم وغيرهم كلما دعت الحاجة، فضلاً عن اعتباره مركزاً لمن يفد إلى البلاد بأعداد كبيرة كمواسم الحج والتجارة والغوص.
وقد نجم عن تنافس هذه الأسر في تدينها وتقربها إلى الله عز وجل ما يدل على وجود حياة حضارية ذات عمق تاريخي مستقر في قلوب الأسر الكويتية آنذاك، كما أنبأنا السويدي عن اكتظاظ جوامعها ومساجدها بالحضور لتلقي الدروس الدينية، والرغبة بالتعرف على أمورهم، وأمر الدين وتعطشهم لفهم العلم والمعرفة.
المصادر
- مسيرة وعطاء بيت بن إبراهيم.
- جريدة الطليعة، العدد 5 و 26 مارس 1989م.
- كتاب العربي (25)، 15 أكتوبر 1989.
- شاكر مصطفى، ص 90.
- مجلة أسرتي، العدد 1361، فبراير 1996.
? المصدر الأصلي: بيت الإبراهيم - www.al-ibrahim.org









